متفرّقات هل تحوّلت تركيا إلى سجن تُكتم فيه الأصوات الحرّة؟
فى محاولة جديدة لتكميم الأفواه، وانتهاك حرية الرأي والتعبير، تمادى النظام التركي بزعامة رجب طيب أردغان في شنّ حرب شعواء ضد الصحفيين المعارضين لسياساته ليملأ سجون إسطنبول بمئات من أصحاب الأقلام الحرّة والأصوات التي لم تأب مناشدته، بل وتجاوز الحقد الأعمى تجاه الصحفيين إلى سجنهم المؤقت لتقضي محكمة تركية أواخر شهر فيفري المنقضي بالسجن المؤبد على ستة صحافيين أتراك معروفين، منهم الشقيقان أحمد ومحمد ألتان والصحافية المشهورة نازلي إليجاك، مع ثلاثة آخرين من زملائهم بالسجن المؤبد بتهمة التورط في محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 جويلية 2016 بينما لا تزال محاكمة الصحفي المعروف شاهين ألباي جارية.
ووجهت المحكمة إلى الشقيقين الصحافيين أحمد ومحمد ألتان تهمة بعث رسائل مشفرة في برنامج حواري تلفزيوني قبل يوم من محاولة الانقلاب لتقضي عليهما بالسجن المؤبد، إلى جانب الصحافية إليجاك رغم نفيهم الثلاثة تهمة تورطهم في محاولة الانقلاب الفاشلة، فيما لاقى الصحافيين الآخرين الحكم ذاته في إطار هذه القضية التي أثارت انتقادات المدافعين عن حرية الصحافة.
من هما الشقيقان ألتان؟
يعتبر الشقيقين أحمد ومحمد ألتان من أقوى منتقدي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث عملا في منافذ إعلامية معارضة ومعروفة.
ومحمد ألتان (65 عامًا) وهو أكاديمي وكاتب وخبير اقتصاد وله العديد من المؤلفات السياسية ورئيس تحرير سابق لصحيفة «ستار»، واعتقل في سبتمبر 2016 مع شقيقه أحمد (67 عامًا) وهو واحد من أشهر الروائيين الأتراك ومحرر صحفي سابق أسس صحيفة «طرف» المعارضة.
وكانت المحكمة الدستورية العليا أصدرت قرار إفراج عن الأخوين أحمد ومحمد ألتان مدعية وجود انتهاك للحقوق في القضية إلا أن محكمة أدنى رتبة منها رفضت تنفيذ قرارها.
وقد ظل الرجلان قابعين في السجن خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية بتهمة «استعمال القوة واللجوء للعنف» للإطاحة بالحكومة والعلم المسبق بمحاولة الانقلاب التي تلقي الحكومة باللوم فيها على رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن. وتطلق تركيا على أتباع غولن اسم حركة فتح الله الإرهابية.
أحمد ألتان الصوت الذي لا يخمد!
عُرف الكاتب المشهور المعتقل في تركيا بمعارضته الشديدة لسياسة أردغان التي لطالما اعتبرها قمعية ومكبّلة للحريات ورغم اعتقاله لم يخمد صوته حيث قال أثناء تحدّثه عبر وصلة فيديو للمحكمة في اسطنبول من سجن قريب شديد التحصين «لقد أتيت إلى هنا ليس لكي يتم الحكم علي، بل لأحكم.»
وتابع بالقول «لديّ الحق في الحديث باسم آلاف الأبرياء الذين لم تتح لهم الفرصة للاستئناف ضد الطغيان الذي استهدفهم، ناهيك عن تنفيذ الانقلاب، لأنني شاهدت المظالم التي عانوا منها، وشاركتهم مصيرهم خلف الجدران الحجرية.»
السّلطة القضائية في تركيا ميتة أو تموت
وقال أحمد ألتان إن السلطة القضائية في تركيا ميتة أو تموت، وإن جثتها تفوح رائحتها في جميع أنحاء البلاد.
وأضاف ألتان «توجد الآن سلطة قضائية ووسائل إعلام في تركيا ترى أن العدالة هي عقاب الآخر. ونحن هم الآخر. جميع خصوم حزب العدالة والتنمية».
وتابع ألتان «لا يوجد أي ادعاء حقيقي، أو قاض حقيقي، أو محام حقيقي يمكن أن يصبحوا أداة في يد الخيانة».
وقال ألتان «لم يعد أولئك الموجودون في السلطة الآن يخافون من الجنرالات، لكنهم يخافون من الكتاب».
وتابع «إنهم يخافون الأقلام، لا البنادق. لأن الأقلام يمكنها أن تصل لما لا يمكن للبنادق أن تصل إليه ألا وهو ضمير المجتمع».
وقال إن من بين الأدلة التي تستخدم لمشاركته في محاولة انقلاب 15 يوليو مقالة صحفية نشرها قبل ستة أعوام، وتساءل كيف يفترض بالضبط أنه قام بترقية أنصار غولن في مناصب رئيسية في الجيش لتنفيذ حركة الانقلاب.
الصحفية نازلي اليجاك
نازلي إليجاك (73 عامًا) هي من الصحفيين البارزين في تركيا وكاتبة عملت حتى سنة 2013 في صحيفة «صباح» الكبرى الموالية للحكومة وهي معتقلة منذ نهاية جويلية 2016 وكانت نائبة في البرلمان التركي بين عامي 1999 و 2001 .
وقد ساهمت الصحفية التركية المعروفة نازلي اليجاك في كشف فضيحة الفساد والرشاوى في حكومة رجب طيب اردغان عام 2013 وذلك بعد يوم على صدور قرارات باعتقال 40 صحفيا بحجة محاولة الانقلاب.
وكانت إليجاك تكتب لصحيفة «زمان»، وهي صحيفة اتهمت بارتباطها بحركة غولن، التي تقول عنها الحكومة التركية إنها العقل المدبر لمحاولة المخطط العسكري الانقلابي وهو ما نفته إليجاك بشدّة خلال إفادة أدلت بها أمام الإدعاء العام بمدينة إسطنبول، قبل إحالتها على المحكمة.
وأضافت إنها كانت على الدوام تقف إلى جانب الضحايا وتدافع عنهم، نافية ارتباطها بأيّة منظمة أو جماعة، وتابعت «إن كنت كذلك لحصلت على بعض المكاسب المادية والمعنوية على الأقل».
أردغان و«الحقد المرّ»ّ تجاه الصحافة الحرّة...
في المقابل نذكّر بأنّ السلطات التركية بأمر من أوردغان حبست منذ محاولة الانقلاب المذكورة أكثر من خمسة وخمسين ألف شخص، من بينهم 18 ألف من النساء وما يقرب من 700 طفل مع أمهاتهم بتهمة التورط في محاولة الانقلاب، وذلك حسب بيانات وزارة العدل التركية.
كما تجري محاكمة أكثر من 150 صحفيا من وراء القضبان بتهمة الانقلاب من بينهم الصحفيون المذكورون الذين استنكرت منظمات دولية عدة الحكم الصادر من القضاء التركي بالمؤبد عليهم، حيث قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن هذا القرار يعكس إلى أي مدى يمكن للسلطة السياسية التمادي لإسكات المعارضة، بينما رأت منظمة فريدوم هاوس، أن هذا القرار يؤكد هيمنة السلطة السياسية على نظام القضاء في تركيا مشيرة إلى غياب العدالة في الدول التي تفتقر للمحاكم المستقلة.
تسييس القضية
وقال البيان الصادر عن منظمة فريدوم هاوس بشأن حكم المؤبد الصادر بحق 6 صحفيين اتراك، إن المحاكم المحلية باتت تخضع للسلطة السياسية وترفض الانصياع لقرار المحكمة الدستورية وتصدر أحكاما بالمؤبد على الصحفيين، مشددا على غياب العدالة في الدول التي تفتقر إلى محاكم مستقلة.
وأشار البيان الصادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش إلى أن القضية مسيّسة منذ البداية وأن القرار يمثل نموذجا خطيرا للصحفيين والكتاب والمعارضين الذين لا يزالون قيد المحاكمة.
تركيا أكبر سجن للصحفيين فى العالم
قالت اللجنة الدولية لحماية الصحفيين إن عدد الصحفيين المحبوسين على مستوى العالم بلغ أكثر من 259 صحفيا بينهم 81 صحفيا سجينا في تركيا وحدها سنة 2016 فقط.
وأشارت اللجنة إلى أن تركيا جاءت في المركز الأول كأكبر سجن للصحفيين في العالم بينما تراجعت الصين للمركز الثاني بـ 38 صحفيا سجينا واحتلت مصر المركز الثالث فيما جاءت كل من ارتيريا وأثيوبيا في المركزين الرابع والخامس.
وقالت المنظمة في بيان لها إن تركيا شنت حملة قمع غير مسبوقة على وسائل الإعلام، مما رفع العدد الإجمالي للصحفيين السجناء في العالم إلى أعلى مستوى يبلغه منذ بدأت لجنة حماية الصحفيين في إعداد إحصائها السنوي في عام 1990.
منار تليجاني